الأحد, 23 سبتمبر, 2018

تقرير لكبير محللي مجموعة الأزمات الدولية للشؤون السورية عن مناطق الإدارة الذاتية

تقرير لكبير محللي مجموعة الأزمات الدولية للشؤون السورية عن مناطق الإدارة الذاتية

بلند علي – القامشلي – آشا نيوز

في زيارته الخامسة لشمال شرق سورية نشر كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية للشؤون السورية نوح بونسي تقريراً  عن الإدارة الذاتية الديمقراطية وعلاقة هذه الإدارة بحزب العمال الكردستاني.

وفيما يلي نص التقرير:

يستقبلني عبد المنعم كالمعتاد لينقلني معه من مكتب الجمارك على الضفة السورية من نهر دجلة. وخلال رحلتنا إلى مدينة القامشلي، نمرّ إلى جانب تلة يعلوها مركز قيادة قصفته الطائرات التركية قبل نحو خمسة أسابيع. يلتفت عبد المنعم من مقعد السائق ويسأل: “هل يُعقل فعلاً أن الأميركيين لم يكونوا يعرفون أن تلك الضربات الجوية قادمة؟”.

الهجمات التركية قتلت 20 من أعضاء وحدات حماية الشعب، التشكيل العسكري الكردي الذي يسيطر على جزء كبير من شمال سورية. بالنسبة لعبد المنعم والعديد من الأكراد السوريين، تشكل هذه صدمة حقيقية؛ فرغم العلاقات التي تزداد عمقاً بين وحدات حماية الشعب والقوات الأميركية على الأرض، فإن الأخيرة لم تقم بردع الضربات التركية ولم تقدم تحذيرات كافية قبل وقت كافٍ لتتمكن وحدات حماية الشعب من إخلاء المباني المستهدفة.

وراء هذا التساؤل يكمن سؤال أعمق سمعته مرات لا حصر لها خلال زياراتي لشمال سورية: “هل ستتخلى الولايات المتحدة عن حلفائها الأكراد؟” ما من جواب مؤكد على هذا السؤال، وهو ما يذكّر بالهشاشة التي تخفيها جزئياً المكاسب المثيرة للإعجاب التي يحققها الأكراد ضد تنظيم الدولة الإسلامية. تدخل وحدات حماية الشعب مرحلة جيوسياسية متفجرة، حيث يحيط بها الخصوم والأعداء، دون أن يكون لديها ضمانات من شركائها الأميركيين.

في هذه الزيارة والزيارات التي تلتها لأنقرة وواشنطن، كان جزءاً من مهمتي استكشاف وسائل لضمان أن التقدم الذي تحققه القوات التي يهيمن عليها الأكراد والمدعومة أميركياً في شمال سورية لا يشكل مجرد تمهيد لاندلاع جديد لصراع مهلك من الصراعات التي ميزت الحرب التي دخلت عامها السابع في سورية.

شمال سورية، غرب كردستان

هذه زيارتي الخامسة إلى شمال سورية خلال العامين الماضيين، وقد بدأت بشكل مألوف برحلة سريعة بعبّارة معدنية صغيرة نقلتني مع اثنين من عمال الإغاثة عبر نهر دجلة الموحل من إقليم كردستان العراق.

“ولا يتمثل الامتياز الذي أتمتع به بمجرد عبور الحدود جسدياً، بل بالوصول إلى جمهور من القراء لا يستطيع الأشخاص الذين أتحدث معهم الوصول إليه”

لقد عشت في دمشق لفترتين منفصلتين قبل الحرب؛ واكتسبت أصدقاء مقربين، وتعلمت اللغة العربية، ولا زلت أتحدثها بطلاقة إلى حد ما (بلهجة أميركية مضحكة). لكنني أعي أيضاً وضعي كأجنبي في هذا البلد، خصوصاً عند الدخول والخروج منه، بالنظر إلى أن عبور الحدود يشكل امتيازاً لا يتمتع به الأشخاص الذين أتواصل معهم هنا. حتى وأنا أكتب هذه المقالة، فإني أحاذر من تصوير تجربة دخول منطقة حرب على أنها حكاية مثيرة، إذ ما من أحد حولي يتمتع بخيار الكتابة عن تجربته على أنها رحلة استكشافية. وهذا يفرض عليَّ مسؤولية أتشاطرها مع جميع زملائي في مجموعة الأزمات: وهي التمثيل الصادق والاحترام للأصوات التي نسمعها في الأنحاء التي نغطيها من العالم. ولا يتمثل الامتياز الذي أتمتع به بمجرد عبور الحدود جسدياً، بل بالوصول إلى جمهور من القراء لا يستطيع الأشخاص الذين أتحدث معهم الوصول إليه.

يفتش عنصران أمنيان كرديان شابان حقائبي عندما نصل إلى الضفة السورية من النهر. أرمي حقيبتي بسيارة عبد المنعم، ونمضي بالسيارة لمسافة قصيرة إلى بناء جديد للجمارك حيث يتفقد موظف شاب جواز سفري وأوراقي. الإجراءات الرسمية والجو المحيط تحمل جميع السمات الشكلية لنقطة عبور للحدود في الشرق الأوسط، ولا ينقصها إلا شيء واحد: رموز دولة معترف بها دولياً.

ليس هناك أعلام حول المعبر الحدودي، كما أن الموظف يضع ختم المنطقة على ورقة منفصلة، وليس على جواز سفري. هناك تشكيلة كبيرة من الميليشيات والأحزاب والكيانات الإدارية التي تنشط على مسرح الشمال الشرقي لسورية، والعديد منها يرتبط رسمياً بـ “الإدارة الذاتية الديمقراطية” التي تدير المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب. إلا أن جميع خطوط السيطرة الفعلية في الكانتونات الثلاثة التي يتكون منها “النظام الاتحادي الديمقراطي لشمال سورية” تمر من خلال كوادر تتمتع بخبرة سنوات في التنظيم المسلح الذي مضى على تأسيسه 40 عاماً في تركيا والذي تراوده طموحات قومية كردية عميقة، وهو حزب العمال الكردستاني.

إلا أن اسم حزب العمال الكردستاني نادراً ما يستخدم هنا. معظم الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، تضعه على قائمة المنظمات الإرهابية، بسبب حربه الطويلة والعنيفة مع الدولة التركية. الأكراد يسمون المنطقة التي يديرونها حالياً في شمال سورية “روجافا”، وهي التي تعني “الغرب” باللغة الكردية، أو الجزء الغربي من الأراضي التي يقطنها 30 مليون كردي والتي كانت مقسمة على مدى القرن الماضي، أو على مدى أكثر من قرن بين تركيا، وسورية، والعراق، وإيران ودول مجاورة أخرى.

بعد أن تم التحقق من أن أوراقنا سليمة، أصبحنا أنا وعبد المنعم أحراراً في أن نتحرك كيفما شئنا. أمامنا أولاً الرحلة الطويلة والحارة بالسيارة إلى مدينة القامشلي، عبر حقول النفط ومروراً إلى جانب آبار النفط التي ركبت عليها أجهزة ضخ أشبه برؤوس الحمير التي تحرك رؤوسها صعوداً وهبوطاً والتي كانت توفر الدخل لحكومة دمشق. لا تزال الأذرع الحديدية الكبيرة تتحرك صعوداً وهبوطاً لتضخ النفط في شبكة من أجهزة تكرير النفط محلية الصنع تنتج نوعاً غير نقي من المازوت يحدث خراباً مستمراً بمحركات الشاحنات وغيرها في سائر أنحاء شمال سورية.

يأخذنا الطريق بجوار الحدود مع تركيا، التي تبدو قريبة جداً لكن بعيدة جداً في الوقت نفسه. منذ تدفق ثلاثة ملايين لاجئ سوري عبر الحدود خلال السنوات الخمس الماضية. فإن الحدود باتت اليوم مغلقة بإحكام إلى حد ما. أرى أبنية سكنية جديدة على مسافة أبعد من أبراج المراقبة الحدودية، وأربط هاتفي المحمول بالإشارات الهاتفية التركية، لكن وحدهم المهربون العتاة يخاطرون بمحاولة اجتياز أسيجة الأسلاك الشائكة أو تسلق الأجزاء الجديدة من الجدران الاسمنتية.

هدوء في القامشلي

إلا أنني نادراً ما أسمع أصوات الحرب، حتى في المناطق التي استعيدت مؤخراً من تنظيم الدولة الإسلامية. الحقيقة هي أن هذه المناطق يسودها شعور عام بدرجة كبيرة من الأمان – على الأقل بالنسبة لزائر أجنبي. المشاعر أكثر حدة بالطبع في المناطق التي حررت حديثاً، حيث لا تزال الكتابات الجدارية القديمة لتنظيم الدولة الإسلامية تغطي بعض الجدران وحيث لا تزال الثقة بين السكان وحكامهم الجدد محدودة. كما حدثت بعض التفجيرات بين الحين والآخر في القامشلي ومناطق أخرى تسيطر عليها وحدات حماية الشعب. إلا أن التفجيرات هذه أصبحت أقل عددا وتواترا، على الأقل خلال العام الماضي.

نصل إلى القامشلي مع بداية فترة ما بعد الظهر. أجتمع بصديقي وزميلي يازر عثمان، ونمضي إلى سوق المدينة لشراء طعام الإفطار، حيث يتم كسر الصيام عند غروب الشمس في شهر رمضان. أيام حزيران الطويلة هذه حارة جداّ، إلا أن يازر يلاحظ أن طقوس رمضان أوضح مما كان في السنوات الأخيرة؛ حيث إن عدداً أكبر من سكان المدينة يبدون صائمين، ربما جزئياً بسبب الشعور السائد بأن الوضع الأمني قد تحسن.

لكن في حين أن الاستقرار يتعزز في جزء كبير من المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، فإن هامش المنافسة السياسية لم يتسع. نتعمد أنا وزملائي في مجموعة الأزمات بشكل عام الاجتماع بشخصيات معارضة خلال زياراتنا، والعديد منهم مرتبطون بالخصم العراقي لحزب العمال الكردستاني، وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني. لكن عند وصولنا إلى القامشلي، أعلم أن معظم الشخصيات التي التقيتها في زيارات سابقة إما اعتقلت أو غادرت البلاد خوفاً من الاعتقال. “الإدارة الذاتية الديمقراطية” لوحدات حماية الشعب تبرر هذه الإجراءات بالإشارة إلى رفض المعارضة تسجيل نفسها لدى الإدارة كأحزاب سياسية. خصوم وحدات حماية الشعب من جهتهم يرفضون التسجيل لأنهم لا يعترفون بسلطة الإدارة الذاتية ولا يرغبون بإسباغ الشرعية على الهيمنة الأحادية لوحدات حماية الشعب. تحظى هذه الأحزاب ببعض التأييد الشعبي في المجتمع الكردي، لكنها لا تمتلك الوسائل التي تمكنها من مواجهة السيطرة العسكرية والسياسية الراهنة لوحدات حماية الشعب. في الواقع فإن بعض مسؤولي وحدات حماية الشعب الذين ألتقيهم يشتكون من أن اعتقال شخصيات المعارضة تحدث أثراً عكسياً، ويقولون إنها تستهدف أشخاصاً لا يشكلون تهديداً ملموساً، بينما تغذي هذه الاعتقالات الانتقادات المحلية والدولية التي تشير إلى أساليب  استبدادية.

وحدات حماية الشعب ليست وحدها بالطبع؛ إذ إن لديها ترتيبات مع نظام دمشق يسمح بموجبه لقوات الرئيس بشار الأسد بوجود رمزي في بضعة كتل في مركز المدينة. أستطيع أن أنتقل مشياً على الأقدام أو بالسيارة في مناطق تقع تقنياً تحت سيطرة النظام، وأن أنظر إلى صور الأسد وأن أمرّ بجانب طواقم عسكرية تابعة للنظام. لكن هناك بضعة أماكن يفرض عليها نظام الأسد سيطرة محكمة، مثل مطار القامشلي، الذي لا أذهب إليه. لا تزال الطائرات تطير ذهاباً وإياباً من وإلى دمشق ويُفهم على نطاق واسع بأن ثمة وجوداً لعناصر روسية وإيرانية هناك. في الوقت نفسه، فإن بضعة قواعد صغيرة في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب تستضيف بضع مئات من الطواقم العسكرية الأميركية الموجودة حالياً في الشمال، والتي يصعب عليَّ الاقتراب منها أيضاً. في الوقت الراهن، يميل ميزان القوى في المسائل اليومية وفي المناطق المدنية بقوة لصالح وحدات حماية الشعب، وليس لصالح النظام. وثمة اعتقالات، بل حتى صدامات تحدث بين الحين والآخر في تجاذب مستمر بين هذين الطرفين المتنافسين. عليهما أن يتعاملا مع بعضهما البعض، لكنهما لا يحبان بعضهما بالضرورة.

مع اقتراب موعد الإفطار، يقدم لي يازر إحاطة حول التطورات المحلية الأخيرة، كما نناقش الاجتماعات التي يمكن أن نعقدها والزيارات التي يمكن أن نقوم بها خلال الأيام القادمة. عندما تغرب الشمس، نجتمع مع أسرته على وجبة زاخرة بالطعام والأحاديث.

أحد الموضوعات المحورية للنقاش هنا  يدور حول من لا يزال موجوداً ومن غادر. يشعر الناس بأن شرائح واسعة جداً من مجتمعاتهم وعدد كبير من جيرانهم غادروا المنطقة بشكل عام بسبب حالة عدم الاستقرار التي أحدثتها الحرب، والصعوبات الاقتصادية التي تلتها، والتجنيد الإجباري. النظام يريد الآن جميع الذكور حتى سن الثانية والأربعين؛ ويتخوف الرجال من أنهم إذا مضوا بعيداً في عمق الجيوب التي يسيطر عليها النظام فإنه سيتم احتجازهم وإرسالهم إلى إحدى الجبهات البعيدة. الأمر الأكثر أهمية هو أن هناك عملية تجنيد إجباري تديرها وحدات حماية الشعب وتستهدف الذكور بين سن الثامنة عشرة والثلاثين من العمر، وهو ما زاد في أعداد المنتسبين إلى وحدات حماية الشعب والقوى التابعة لها، لكنه أيضاً دفع الشباب باتجاه تركيا وأوروبا. من ناحية أخرى، هناك عدد كبير من السكان الجدد الذين وصلوا من أجزاء من البلاد أقل استقراراً من هذه المنطقة.

“الإدارة الذاتية الديمقراطية”

نبدأ أنا ويازر اليوم التالي بزيارة إلى صديقنا أحمد سليمان، وهو قيادي في حزب التقدمي الكردي في سوريا يسعى إلى سلك طريق وسطي بين  وحدات حماية الشعب (وذراعها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطي) من ناحية،  ومنافسيها من ناحية أخرى. نناقش المحاولة الروسية الأخيرة لإطلاق حوار ما بين دمشق و حزب الاتحاد الديمقراطي و احزاب  كردية أخرى، والتي لم تأتي بنتيجة ملموسة حتى الآن. و نتطرق  في حديثنا إلى إحدى الأسئلة المركزية في الحرب السورية حول مدى قدرة روسيا واستعدادها للضغط على نظام الأسد نحو تنازلات ذات معنى. حتى الآن على الأقل، يبدو ذلك المدى قصير.

ذلك المساء نذهب بسيارة نحو ساعة غربا إلى مدينة عامودا لنجتمع بمسؤولين محليين رفيعين. أحدهما مسؤول العلاقات الخارجية، والثاني هو أحد الذين يلعبون دوراً قوياً خلف الكواليس. من الصعب أن يكون المرء دقيقاً فيما يتعلق بالأسماء والمناصب بسبب تنوع واختلاف الواجهات السياسية والأسماء المختصرة التي يستخدمها الأشخاص المرتبطون بحزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له في المنطقة. يكفي القول إن السلطة المدنية في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب تسمى الإدارة الذاتية الديمقراطية، ووحدات حماية الشعب هي الذراع العسكري؛ أما الذراع السياسي فيسمى حزب الاتحاد الديمقراطي. لقد طلب الرجلان الاجتماع بي لمناقشة تقارير مجموعة الأزمات التي تستند إلى العمل الميداني الذي قمت به أنا وزملائي في مجموعة الأزمات في زيارات سابقة، ووضحا لنا أن علي أن ألتقي بهما قبل الذهاب إلى أي منطقة أبعد من عامودا.

الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لهم هو أنهم يريدون تفنيد ما نقوله عن ارتباطهم بحزب العمال الكردستاني. إنهم يقرّون بأنهم ملتزمون بالفكر العلماني المستلهم من الماركسية لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، الذي يقبع في السجن في تركيا منذ عام 1999، وبتعليماته فيما يتعلق بالحكم المحلي. وبالفعل، فإن صور أوجلان موجودة في كل مكان في شمال شرق سورية – على جوانب الطرقات، وفي ساحات المدن والبلدات، وفي مكاتب بعض مسؤولي “الإدارة الذاتية” ووحدات حماية الشعب.

يصر الرجلان على أن الهيكليات السياسية والعسكرية  في شمال سورية “منظمات منفصلة تماماً” عن حزب العمال الكردستاني، وهي مقولة تعكس الخط الرسمي. يضيفون فوارق وتفاصيل دقيقة قائلين إننا في مجموعة الازمات نركز أكثر مما ينبغي على العلاقة مع حزب العمال الكردستاني بالمقارنة مع المسائل الأخرى، مثل النواحي الإيجابية لإدارتهم. ويبدون قلقهم من أننا نسهّل على تركيا تبرير مهاجمتهم، كما فعلت في ضربات جوية شرسة قبل زيارتي ببضعة أسابيع. أشير إلى أن إنكار الربط بحزب العمال الكردستاني ليس مقنعاً، وكي يتمتعوا بالمصداقية، سيترتب عليهم فعل المزيد لتعزيز الطبيعة المحلية لإجراءات الإدارة والأمن في المناطق التي يسيطرون عليها. وألاحظ أن كانتوناتهم في شمال شرق سورية تتوسع بينما القوى المحيطة بهم ضعيفة، والولايات المتحدة بحاجتهم في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. إلا أن هذه الظروف ستتغير في النهاية. ولحماية ما حققوه حتى الآن، اقترح أنهم بحاجة لأن يكون لهم هوية متمايزة ومنفصلة كي يحصلوا على ضمانات أمنية خارجية، سواء من الولايات المتحدة أو في تفاهم مع تركيا، أو كلا الأمرين معاً.

تتكون المقابلات الميدانية من خليط من الإصغاء، والتعلم، والشرح والبحث.

تتكون المقابلات الميدانية من خليط من الإصغاء، والتعلم، والشرح والبحث. والتعرف على مثل هؤلاء المسؤولين بشكل جيد يشكل جزءاً مهماً من هذه العملية. أعرف أحد هؤلاء المسؤولين من قبل، وهذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها المسؤول الآخر. أشرح كيف ننظر في مجموعة الأزمات إلى التحديات الأوسع للصراع التي يواجهونها محلياً، فيما يتعلق بتركيا، وفيما يتعلق بالموقف المعقد للولايات المتحدة حيالهم. في البداية تكون المحادثة متوترة، لكنها تصبح أكثر دفئاً مع تقدم الأمسية. أخبرهما بالأفكار المعمقة التي حصلت عليها من زياراتي لمقابلة مسؤولين في أنقرة وواشنطن ، وهي أماكن لا يستطيعون الذهاب إليها. كلما تمكنا أنا والأشخاص الذين أتحدث إليهم من التعلم أكثر من بعضنا بعضاً، كلما تمكنا من بناء علاقاتنا، وكلما أصبحت تلك التجربة والدروس المستقاة منها أكثر أهمية.

النتيجة هي نهاية ودية؛ حيث إنهم متأكدون من أنني أفهم مخاوفهم وشواغلهم، ويبلغونني بأني أستطيع التنقل حيثما شئت. إلا أن هذه نعمة ونقمة في الوقت نفسه؛ حيث يريدون مني أن أصطحب مرافقاً خلال زياراتي للبلدات ذات الأغلبية العربية في الغرب: تل أبيض، ومنبج وعين عيسى (حوالي 50 كم شمال الرقة). وهذا، نظرياً على الأقل، من أجل المحافظة على أمني وسلامتي؛ لكن يبدو أنهم ينوون التحقق من أن ما يقال لي ينسجم مع ما نكتبه في تقاريرنا. هذا الترتيب ليس مثالياً، لكنه مقبول في ظل الظروف السائدة. في الأيام التالية لا أشعر بأن أحداً يراقبني على نحو لصيق أكثر مما ينبغي.

في الطريق إلى منبج

في اليوم التالي أستيقظ مبكراً، وأتصل بالمرافق وأتوجه إلى منبج، وهي الحافة الأكثر بُعداً إلى الغرب في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب. أحد امتدادات وحدات حماية الشعب هو تحالف يسمى قوات سورية الديمقراطية – التي تضم عناصر عربية – وقد استولى تحالف قوات سورية الديمقراطية على منبج في آب/أغسطس 2016. إنها رحلة نتّجه فيها غرباً في جو حار تدوم خمس ساعات

الطريق مزدحم، حيث أصبح حالياً جزءاً من طريق برية جديدة إلى حلب، ودمشق ومناطق أخرى واقعة تحت سيطرة النظام. ويأمل سكان شمال سوريا بأن يؤدي فتح طريق التجارة هذا إلى خفض في الأسعار وزيادة في البضائع المتوفرة في الأسواق والدكاكين المحلية، حيث لم يعد تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على الجزء الذي يصل المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب بالجزء الذي يسيطر عليه النظام. كما أنني أرى أعداداً كبيرة من النازحين على الطريق، متوجهين إلى الشمال الغربي هرباً من الحملة المتصاعدة التي تدعمها الولايات المتحدة للسيطرة على الرقة.

للوصول إلى منبج، عليَّ أن أعبر نهر الفرات. المياه زرقاء صافية، على عكس مياه دجلة الموحلة التي يشكل لونها خليطاً بين الأبيض والبني. يقفز الناس في النهر ويسبحون. وفي الوقت نفسه، ومع اقترابنا من الجسر، نمرّ بجانب العشرات من السيارات ومئات الأشخاص المصطفين بانتظار العبور من خلال نقطة تفتيش وحدات حماية الشعب. إنهم يهربون من القتال الذي اندلع مؤخراً، الشمس مستمرة في رمي أشعتها المحرقة، وهم في شهر رمضان، ولا يعرفون أين سينامون الليلة. تقيّد وحدات حماية الشعب حركة النازحين كجزء من جهد أمني قوي ومتماسك، مبالغ به أحياناً، لمنع تسرب تنظيم الدولة الإسلامية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب. معظم أولئك الذين يحاولون عبور النهر خضعوا على الأرجح لدراسة أولية لخلفياتهم. رغم ذلك، كي يسمح لك بدخول منبج فإن ذلك يتطلب بشكل عام أن يكون هناك شخص يضمنك.

مع دخولنا إلى منبج، نشعر أن المدينة ممتلئة نسبياً، حتى في منتصف النهار في رمضان. وهذا أكثر إثارة للاهتمام حتى لأن منبج كانت أشد المعارك شراسة حتى الآن في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سورية. استمرت المعركة لفترة أطول مما كان متوقعاً بأسابيع ولا تزال المدينة تحتوي العديد من آثارها، بجدرانها المليئة بالفجوات التي أحدثها القصف ومبانيها المدمرة. الآن تحقق وحدات حماية الشعب وحلفاؤها المحليون قدراً مثيراً للإعجاب من الأمن، بالنظر إلى الظروف المحيطة. ولا تزال المدينة تعمل كمدينة. وقد أجرت وحدات حماية الشعب، بتحفيز من الولايات المتحدة، بعض التعديلات الصغيرة ولكنها مهمة على طريقة حكمها هنا. ألاحظ ذلك حالما تطأ قدماي المدينة. لا أرى صور أوجلان، ولا أرى أعلام وحدات حماية الشعب، فالعلم الوحيد المرفوع هو علم المجلس العسكري المحلي. ألتقي الشباب الذين تم تجنيدهم في قوات الأمن. الاستقرار النسبي يدفع الناس للبقاء، وأيضاً يدفع آخرين إلى العودة، ويجتذب العديد من النازحين.

منبج مدينة ذات أغلبية عربية، وهي متنوعة بشكل كبير؛ كما أن المجلس المدني المكلف بإدارة المدينة متنوع أيضاً. أحد كبار شخصياته عربي، وهو ناشط مناهض للنظام منذ الأيام الأولى للانتفاضة هناك. كما أن هناك أكراداً في المجلس وأشخاصاً من مكونات أخرى. نتحدث عما حققوه في منبج وعن التحديات الكامنة في المستقبل؛ ومن بين أشياء أخرى، أحاول أن أفهم كيف يديرون الأمور فعلياً، ومدى المسؤولية التي فوضت لأعضاء المجلس المحلي من قبل الكوادر المدربة على يد حزب العمال الكردستاني، والذين يبقون العمود الفقري للحكم في المناطق المسيطرة عليها من قبل وحدات حماية الشعب .

عدم ارتياح في تل أبيض

بعد بضع ساعات في منبج نعود أدراجنا إلى الشمال الشرقي متوجهين إلى تل أبيض، وهي مدينة ذات أغلبية عربية على الحدود التركية تمت استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2015. يبدو السكان هنا أقل ارتياحاً لحكامهم في وحدات حماية الشعب. أرى أعلام وحدات حماية الشعب، وأرى صورة لأوجلان في إحدى ساحات البلدة. كزائر أجنبي، أشعر إلى حد ما وكأن البلدة محتلة. العقد الاجتماعي ليس ظاهراً، لكنه واضح؛ فمقابل الانصياع في المسائل المدنية، فإن وحدات حماية الشعب تحقق الأمن، وتقدم الخدمات واحتياجات الحياة الأساسية. في هذه الزيارة، كما في زيارة سابقة في آذار/مارس، لدي بعض الوقت لأتحقق مما أسمعه في المكاتب، وذلك بالتحدث إلى السكان المحليين. يبدو أن الناس يقدرون الاستقرار، وهو جيد بالمعايير السورية الراهنة. الوضع الاقتصادي صعب، لكن يمكن أن يكون أسوأ. هناك أغذية في الأسواق، وهناك مقدار أكثر بقليل من الكهرباء مما هو الحال في القامشلي، لأن المدينة أقرب إلى السد المائي الكهربائي الكبير المقام على نهر الفرات.

لقد أتيت بشكل رئيسي للاجتماع بمسؤول محلي مقرب من قيادة وحدات حماية الشعب وينسق الجهود لبناء مجالس مدنية في المناطق المحررة من تنظيم الدولة الإسلامية وقد كان الذي يقوم بالتنسيق لتشكيل مجلس تل أبيض، والمجلس المدني في منبج والآن يفعل الشيء نفسه بالنسبة للرقة. في هذه الزيارة يسمح لي بقضاء اليوم معه وأن أنضم إلى المحادثات التي يجريها خلال عمله في بناء هذه الإدارات الجديدة. أحاول أن أؤكد له أن اللمسة الأخف في منبج تشكل خطوة بالاتجاه الصحيح، وأن أجادل بأن عليهم في الرقة أن يمضوا أبعد مما مضوا حتى الآن.

الأميركيون

بعد ليلتين في تل أبيض أتوجه إلى عين عيسى، وهي بلدة في منتصف الطريق تقريباً إلى مدينة. عين عيسى تحررت من تنظيم الدولة الإسلامية عام 2015 و أصبحت مؤقتاً الآن مقر المجلس المدني الجديد في الرقة. أقضي يوماً في اجتماعات مع العديد من أعضاء ذلك المجلس، لأعرف مخاوفهم وشواغلهم. أسألهم: ما هي التحديات التي تواجهونها، مرتبة حسب أولويتها؟ ما الذي تبحثون عنه من حيث الدعم الخارجي؟ ما شعوركم حيال علاقتكم مع كوادر وحدات حماية الشعب، هل يمنحونكم مساحة كافية؟

يضم المجلس أشخاصاً من طيف واسع من شرائح مجتمع الرقة والريف المحيط بها. يقر الجميع بأنه عينة لا تمثل جميع شرائح السكان بشكل كافٍ، إلا أنهم يًعدون لإدارة المدينة ويخططون لتوسيع المجلس حالما تتم السيطرة عليها بشكل كامل. من المذهل مراقبتهم وهم يستعدون لذلك.

الولايات المتحدة تدعم الحملة للسيطرة على الرقة، وهي ضالعة على نحو متزايد في جميع هذه العمليات. في عين عيسى، أصادف طواقم أميركية تنسق مع المجلس الجديد، لكننا لا نتحدث مع بعض شخصياً. في الوقت الذي يسهل عليَّ الاجتماع بمسؤولين أميركيين في واشنطن، فإنني لا أفعل ذلك حتى الآن داخل سورية. غير أن ثمة مؤشرات على وجود أميركي في أماكن مختلفة من شمال سورية، فالطواقم العسكرية الأميركية اعتادت الظهور بشكل علني جداً في قواعد وحدات حماية الشعب وغيرها من المناطق الحساسة إذا اعتقدت أن ثمة خطراً في أن تركيا تحضر لهجوم. وبقيامهم بذلك، فإنهم يلعبون دوراً غامضاً لكنه فعال حتى الآن في موقع يتراوح بين أن يكونوا مراقبين أو دروعاً بشرية.

إن لعلاقتهم بحليف قوي كهذا آثار سلبية بالطبع؛ حيث يمكن للأميركيين أن يغادروا. السؤال المتكرر الذي أسمعه من مسؤولي وحدات حماية الشعب وغيرهم من الأكراد السوريين يتلخص في: “هل سيتخلى عنا الأميركيون؟”

نهاية الزيارة في القامشلي

أعود إلى القامشلي في الوقت المناسب لمشاهدة المبارة النهائية لدوري الأبطال. نناقش أنا ويازر الأوضاع في منبج ونحن نشاهد يوفنتوس ينهار؛ وتبقى الكهرباء حتى نهاية مراسم الاحتفال بانتصار ريال مدريد، مما أزعج كثيراً العدد الكبير من مشجعي برشلونة في الحي.

في الصباح التالي نذهب معاً للقاء مسؤول رفيع، وهو أحد الكوادر السورية من ذوي الخلفية في العمل مع حزب العمال الكردستاني. يلامس حديثنا مشكلة رئيسية لحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، وهي أن نشاط الحزب والنطاق الكامل لأهدافه داخل الأراضي التركية يشكلان تهديداً لما بنته وحدات حماية الشعب في سورية. وذلك لأن أنقرة، بجيشها القوي، لن تقبل بحكم وحدات حماية الشعب التي تهيمن عليها الكوادر التي دربها حزب العمال الكردستاني في سورية طالما يستمر تمرد حزب العمال الكردستاني في تركيا. ربما تتحمل تركيا جزءاً كبيراً من المسؤولية عن استمرار التمرد، لكن ثمة مخاطرة كبيرة جداً في أن تسمح وحدات حماية الشعب في سورية بارتباط أمنها بعيد المدى بأجندة حزب العمال الكردستاني في تركيا.

في هذه الزيارة الخامسة وزيارتي التي قمت بها مؤخراً مع زملاء آخرين في مجموعة الأزمات في آذار/مارس، سمعت أن المزيد من العصف الدماغي يجري بين مسؤولي وحدات حماية الشعب حول الحاجة للتفكير في تسويات قد تكون ضرورية، وأكثر تحديداً للمصلحة المثلى لوحدات حماية الشعب في السياق السوري مما سمعته في زيارات سابقة. من منظورنا في مجموعة الأزمات، فإن هذا مشجع؛ حيث إن الهدف المحوري لانخراطنا مع وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني والمسؤولين الأتراك هو إيجاد السبل لتجنب تصعيد مضرّ للطرفين في صراعهما عبر الحدود، كما أن فعل ذلك سيتطلب في المحصلة تنازلات من قبل الطرفين.

“لانخراطنا مع وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني والمسؤولين الأتراك هو إيجاد السبل لتجنب تصعيد مضرّ للطرفين في صراعهما عبر الحدود، كما أن فعل ذلك سيتطلب في المحصلة تنازلات من قبل الطرفين.”

خلال اجتماعاتنا مع مسؤولي وحدات حماية الشعب، نصحناهم بشكل متكرر بأن علاقتهم مع الولايات المتحدة ليست بديلاً عن تخفيف التصعيد في الصراع مع تركيا. بحلول 25 نيسان/أبريل، أظهرت الضربات الجوية التركية أن حتى في هذه الفترة لا تستطيعوحدات حماية الشعب الاعتماد على واشنطن لردع أنقرة بشكل كامل إذا صممت على الهجوم. ومع استمرار تنظيم الدولة الإسلامية بالتبدد في سورية، فإن مصلحة واشنطن في الاحتفاظ بعلاقة قوية مع وحدات حماية الشعب قد تتراجع، ما سيترك وحدات حماية الشعب مكشوفة بشكل أكبر أمام تركيا والنظام السوري وحلفاءه.

في هذه الزيارة وفي أحاديث أجريت مؤخراً، إني أرى فعلاً بعض العلامات على أن رسالتنا تلقى صدى. في هذه المرحلة أجتمع مع أشخاص التقيتهم عدة مرات من قبل، وهؤلاء هم غالباً من المسؤولين رفيعي المستوى. العديد منهم لديه ذكريات قوية من أحاديثنا السابقة، سواء معي أو مع زملائي الذين ينضمون إليّ أحياناً. إنهم يثيرون نقاطاً طرحناها في أحاديث سابقة. في حالتين، قال لي بعض كبار المسؤولين: “قلت لي هذا قبل أكثر من عام، والآن تَبيّن أنك محق”. في حالات أخرى، كان بوسعي أن أقول لهم الشيء ذاته. في شمال سورية، كما في أنقرة، وفي الواقع كما في حالة معظم الأطراف الذين نتحدث معها، فإن بناء العلاقات ينطوي على التعلّم من بعضنا بعضاً.

مقالات ذات صله

علق على المقال