الخميس, 22 فبراير, 2018

خيارات أمريكا للحفاظ على علاقاتها بالكُرد دون اغضاب تركيا
خيارات أمريكا للحفاظ على علاقاتها بالكُرد دون اغضاب تركيا

خيارات أمريكا للحفاظ على علاقاتها بالكُرد دون اغضاب تركيا

نوفين حسن – برلين – آشا نيوز

حين التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، احتضنه كصديقٍ له وقال: “إنَّنا قريبان مثلما كنا دوماً”.

وبعد خمسة أشهر، تشن تركيا هجوماً ضد الأكراد السوريين، أقرب حلفاء أميركا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

يُشكِّل الهجوم التركي مرحلةً جديدة محفوفة بالمخاطر بين الحليفين الأعضاء بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويضع مصالحهما في صدامٍ مباشر بميدان المعركة. ويكشف كذلك حجم النفوذ الذي خسرته الولايات المتحدة في سوريا، حيث انصبَّ تركيزها الوحيد على هزيمة مسلحي داعش، بحسب ما ذكر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وفيما تقدَّمت القوات التركية أمس، الإثنين 22 يناير/كانون الثاني، في منطقة عفرين الكردية شمال غربي سوريا، حذَّر البيت الأبيض تركيا بألّا تُحوِّل محور تركيزها بعيداً عن الحملة ضد داعش. لكنَّها امتنعت عن انتقاد تركيا، وأقرَّت بمخاوف أنقرة الأمنية حيال الأكراد، الذين تعتبرهم تركيا إرهابيين يُشكِّلون تهديداً لسيادتها الإقليمية.

وبالإمكان التغاضي عن الصراع الكامن في اعتماد الولايات المتحدة على الأكراد باعتبارهم شركائها على الأرض في محاربة داعش طالما ظلَّ هذا التنظيم الأخير مصدراً للتهديد. لكن في ظل تراجع المتشددين الآن، يتلمَّس البيت الأبيض سبيلاً للحفاظ على علاقاته مع المقاتلين الأكراد دون إغضاب الأتراك أكثر.

كانت الإجابة التي قدَّمتها إدارة ترامب هي مساعدة الأكراد على إنشاء قوة أمنٍ حدودية شمال شرقي سوريا، ظاهرياً للحيلولة دون معاودة داعش الظهور من جديد. لكنَّ ذلك لم يتسبب سوى في استعداء الأتراك، الذين ينظرون إلى الأمر باعتباره نقطة انطلاق لتمرُّدٍ مستقبلي ضد بلادهم.

قال علي صوفان، وهو وكيلٌ سابق لمكافحة الإرهاب بمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) ويترأس الآن مجموعة صوفان: “حاولت الولايات المتحدة السير على خيطٍ رفيعٍ للغاية في سوريا”، لكن “مع تقلُّص ساحة المعركة في سوريا أصبح الحفاظ على ذلك الخيط أقرب للمستحيل”.

وقال صوفان إنَّ الولايات المتحدة “على الأرجح ستضطر إلى تقليص دعمها للأكراد بصورة كبيرة –وهو ما قد يُنظَر إليه باعتباره خيانة أميركية جديدة للمجموعات القليلة التي دأبت على دعم ومساعدة الولايات المتحدة في سوريا والعراق- أو تخاطر بصراعٍ مباشر، أو غير مباشر حتى، مع تركيا، الحليف العضو بالناتو”.

حاولت الإدارة الأميركية تجنُّب أيٍّ من هذين السيناريوهين عبر بياناتٍ حذرة من جانب كلٍ من وزير الخارجية ريكس تيلرسون، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، والمتحدثة باسم البيت الأبيض سارة هاكابي ساندرز.

وقد أقرَّ تيلرسون أنَّ تركيا لديها “مخاوف مشروعة حيال الإرهابيين الذين يعبرون حدودها”، في حين أشاد ماتيس بتركيا لسماحها للولايات المتحدة باستخدام قاعدتها الجوية في إنجرليك لانطلاق العمليات ضد داعش.

وحثَّت ساندرز تركيا أمس، الإثنين 22 يناير/كانون الثاني، على اللجوء لـ”ضبط النفس في تحركاتها وخطاباتها العسكرية”، وتضييق نطاق العملية ومدتها الزمنية.

لكنَّ الولايات المتحدة بدت، مثلما هو الحال في كثيرٍ من المناسبات بسوريا، أقرب إلى كونها متفرجاً. وبما أنَّها تراجعت، ملأت روسيا الفراغ، واكتسبت نفوذاً وأعادت ترميم علاقتها مع تركيا.

هل هناك ضوء أخضر؟

يُفتَرَض في أنقرة على نطاقٍ واسع أنَّ الحكومة التركية حصلت على ضوءٍ أخضر من روسيا لشن الهجوم، حتى على الرغم من نفي المسؤولين الروس للأمر. وقال أردوغان أمس إن تركيا لديها اتفاق مع روسيا بشأن العملية.

وقال متين غوركان، وهو مُحلِّلٌ أمني وكاتب رأي بموقع المونيتور، إنَّ “روسيا تضبط إيقاع هذه العملية”. وكان مسؤولون أمنيون أتراك رفيعو المستوى قد زاروا موسكو في اليوم السابق على بدء العملية.

وعلى الرغم من سيطرة القوات التركية، جنباً إلى جنب مع مقاتلي الجيش السوري الحر، أمس على أراضٍ مرتفعة وثلاث قرى بالقرب من عفرين، يقول مُحلِّلون إنَّ الهجوم يعتمد على موافقة روسيا على فتح المجال الجوي أمام المقاتلات التركية.

وتسيطر روسيا على المجال الجوي السوري في منطقة غرب نهر الفرات، التي تتضمَّن عفرين، في حين تسيطر الولايات المتحدة على المجال الجوي شرق الفرات.

بالنسبة لأردوغان، الذي يسعى للحصول دعم القوميين قبيل الانتخابات الرئاسية التي تجري هذه السنة أو السنة المقبلة، تُعَد عملية عفرين ضرورية سياسياً. إذ انتقد الولايات المتحدة على خلفية دعمها للميليشيات الكردية السورية، التي يقول إنَّها متحالفة مع حزب العمال الكردستاني المحظور، وهو حزبٌ كردي مسلح يخوض صراعاً انفصالياً مسلحاً في تركيا منذ ثلاثة عقود.

ووجَّه أمس انتقاداً جديداً للولايات المتحدة، قائلاً إنَّ “بلادنا ليست طامعة في أراضي الآخرين”.

وأضاف أمام مجموعة من رجال الأعمال في القصر الرئاسي: “ستنتهي العملية حين تُحقِّق أهدافها. البعض، أو أميركا، يسألوننا عن الفترة الزمنية. وأنا أسأل أميركا: هل حدَّدتم فترةً زمنية في أفغانستان؟ (الإجابة هي) عندما تنتهي العملية. لسنا حريصين على البقاء. فنحن نعلم متى ننسحب، ولسنا مهتمين بالحصول على تصريحٍ من أي أحد لفعل ذلك”.

وقد انضمت روسيا إلى تركيا في اتهام الولايات المتحدة بتشجيع الأكراد ومفاقمة الوضع في سوريا. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: “هذا إمَّا عدم فهم للوضع أو استفزازٌ مُتعمَّد تماماً”.

ويُبرِز الهجوم التركي تعمُّق العلاقة بين روسيا وتركيا، وهي العلاقة التي انتعشت بعدما وصلت إلى الحضيض في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، حين أسقط الأتراك مقاتلةً روسية فوق سوريا.

ويقول المحللون إنَّ روسيا لديها أسباب وجيهة لمباركة الهجوم التركي. فقد تستفيد عن طريق زرع الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها، وقد تستفيد أيضاً بصورةٍ أوسع عن طريق مَد نفوذها الدبلوماسي في المنطقة.

ويتكهَّن المحللون أيضاً بأنَّ تركيا وافقت على غضّ الطرف عن الهجمات الروسية والسورية على المعارضة في محافظة إدلب، الحليفة علناً لتركيا ضد الحكومة السورية، مقابل سماح موسكو لها بشن عمليتها العسكرية.

وقد اتخذت الولايات المتحدة بعض الخطوات لطمأنة أردوغان. فتوقَّفت عن توريد الأسلحة الثقيلة إلى الأكراد، وذلك بعد الانتهاء من عملية استعادة السيطرة على معقل داعش في مدينة الرقة السورية. لكنَّ مسؤولي الإدارة قالوا إنَّهم مُصممون على مواصلة علاقاتهم مع الأكراد بسبب فعاليتهم في محاربة المتشددين.

وفي الأسابيع الأخيرة، تحدث مسؤولون أميركيون كبار عن الحاجة لإعادة إرساء الأمن شمال سوريا عبر إنشاء قواتٍ أمنية محلية تعكس التركيبة الديموغرافية التي كانت موجودة بتلك المناطق قبل الحرب الأهلية. ومن شأن ذلك أن يتطلَّب عودة عشرات الآلاف من العرب الذين فرّوا من سوريا أثناء القتال.

أمريكا باقية في سوريا

وأوضح تيلرسون الاستراتيجية في خطابٍ ألقاه الأسبوع الماضي قال فيه إنَّ الولايات المتحدة ستُبقي على قواتٍ لها في سوريا على مدى المستقبل المنظور.

وأضاف: “لا يمكننا أن نسمح للتاريخ أن يكرر نفسه في سوريا. إنَّ داعش الآن على حافة نهايته، وقريباً سيُقضى عليه عن طريق الإبقاء على وجودٍ عسكري أميركي في سوريا حتى تتحقق هزيمته الكاملة”.

ومع ذلك، تساءل المنتقدون حول ما إذا كانت الإدارة تمتلك القوة الدبلوماسية، أو الالتزام السياسي، أو قوة عسكرية متبقية يُمكنها وضع هذه الاستراتيجية حيز التنفيذ. وأشار البعض إلى أنَّ الكثير من تصريحاته لا تزال حتى في الوقت الراهن تُركِّز بصورة ضيقة على المعركة ضد داعش ولا تأخذ بعين الاعتبار المصلحة المُشتركة لكلٍ من تركيا والولايات المتحدة في التصدي لروسيا وإيران وحكومة بشار الأسد.

وقال بعض المحللين إنَّ الولايات المتحدة بحاجة لتقديم حجة أفضل للحكومة التركية حول سبب استمرار التحالف الأميركي مع أكراد سوريا على الأرجح إلى ما بعد الحرب ضد داعش.

وقال جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق لدى تركيا والعراق: “لقد أخبرنا الأتراك بأنَّ الأكراد هم مرحلة مُؤقتة، وتكتيكية، ومصلحية لهزيمة داعش. والآن نحن بحاجةٍ لهم من أجل احتواء إيران”.

وأضاف جيفري أنَّ الإدارة كانت تُرسل رسائل مُختلطة إلى الأتراك، وهو الأمر الذي أثار خصومة أردوغان وجعل من المستحيل له أن يغضّ الطرف عن الصلات بين أكراد سوريا وحزب العمال الكردستاني.

وتابع: “الهدف من هذا كله هو فصل الروس عن السوريين عن طريق القول إنَّنا سنبقى حتى نفرض حلاً سياسياً في سوريا. لكن لدينا عجز واضح في تصريحاتنا العامة المختلفة عن إيصال هذه الرسالة إلى الأتراك”.

واقتصرت العمليات التركية حتى الآن على أهداف في محيط عفرين السورية، التي تبعد نحو 40 كم شمالي حلب ونحو 120 كم عن المناطق الكردية الرئيسية شرقي نهر الفرات. وهذه المناطق أقل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة.

وقال أندرو تابلر، الخبير في الشؤون السورية بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إنَّ السؤال هو: “هل ستحاول تركيا، بمجرد سيطرتها على تلك المنطقة، التوجُّه نحو المناطق الأخرى؟”. وهذا من شأنه أن يُدخِل تركيا في صراعٍ مع القوة الرئيسية للأكراد، بل وربما حتى مع القوات الأميركية.

مقالات ذات صله

علق على المقال